الإنسان والعودة الى الطبيعة


في محاولة فهمنا للإنسان نجد أن بداخله نزعة رئيسية تميل الى رفض كل الحدود وإزالة المسافة التي تفصل بين الجزء والكل والطبيعة والإنسان والمخلوق والخالق الى أن يصبح الإنسان كائناً لا حدود له، وبالتالي يتحرر الإنسان من واقعه المركب ومن جميع الثنائيات الموجودة في الكون الى واقع أحادي بسيط يخضع فيه للبعد (الطبيعي أو المادي). حينها يظن الإنسان أنه أمتلك الكون وأصبح حر وذا إرادة ولكن في واقع الأمر يكون الإنسان قد أصبح في حيز أضيق حيث لا حرية ولا إرادة مستقلة له

إن شكل العالم المادي هذا هو المرحلة الأهم في مرحلة الحداثة التي تبناها المجتمع الغربي وشكلت الأساس لمرحلة لاحقة -ما بعد الحداثة- من تاريخ العالم، وعند هذه المرحلة التي يُصبح فيها القانون الطبيعي هو الأساس يُصبح العالم في نفسه مجالات مختلفة غير متجانسة كل منها يستمد معياريته من نفسه فتصبح المعايير في المجال الاقتصادي اقتصادية وفي السياسي سياسية وهكذا يصبح لكل مجال مرجعيته النهائية المختلفة. وتلقائياً ينتقل الأمر من المجال العالم الى المجال الخاص للأفراد فتزيد النزعة الداروينية وأخلاق السوق في كل مجالات الحياة ويُعرّف الإنسان نفسه وفقاً لإحتياجاته المادية وينفصل عن كل ما هو إنساني وطبيعي وتصبح مرجعيته النهائية مادية.

هذا التدريج والتحول يظهر في شكل العالم الغربي الذي تحول تدريجياً الى عالم مادي بحت وأصبحت رغبات المواطنين فيه مادية استهلاكية جنسية بحتة وتهاوت في المقابل جميع الموروثات الثقافية والحضارية.

حينما يصل الإنسان الى هذه المرحلة فإنه سيكون مستعداً لقبول تحكم السوق وآلياته فيه مهما استعرّت، وسيقبل قوانين العرض والطلب مهما كانت نتائجها وبالتالي يحيا حياة بلا أخلاق وبلا معنى تحركها النزعة المادية فقط وبالتالي سيتغاضى الفرد عن وحشية النظام واستغلاله وجميع مساوئه.

كل هذا ينبع من عملية العلمنة التي لا تقتصر فقط على مفهوم فصل الدين عن الدولة كما أصبح شائعاً وإنما جميع ما مر به المجتمع من تشيؤ وإغتراب وتغييرات صناعية وغيرها ترجع جميعها الى العلمنة، ولكن نجد أن الدراسات الغربية عند تناولها لمواضيع تخص التغييرات الثقافية والمجتمعية تدرجها تحت عناوين مغايره لهذا سأستخدم مفهوم "العلمانية الشاملة" لجمع كل هذه الأشياء تحتها وهو مصطلح لدكتور عبد الوهاب المسيري استخدمه في تفسيره للفرق بينها وبين العلمانية الجزئية التي تقف عند حد فصل الدين عن الدولة وتترك مجالاً للقيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، عكس الشاملة فهي ايديولوجية لا يوجد فيها مجال للإنسان والقيم وتختزل حياة الإنسان في البعد المادي فقط وتسعى لجعل مركز العالم هو المادة حيث يحدث تفكيك كامل للإنسان ولا يوجد ذكر ولا أنثي وتقف جميع الكائنات في مصاف واحد بلا أي أسس أو جذور أو مرجعية وهذا هو الطريق الى عصر "ما بعد الحداثة". 

إن الإنسان الذي ظن أنه تحرر من جميع ما يربطه بالعالم وتركيباته وأنه امتلك حريته في واقع الأمر نجده قد ضيّق من حدود حريته وخضع لنظام يحدد له ما يريده بغض النظر عن رغبة الفرد الشخصية، ويُشكّل له حياته وفقاً لطبيعة معينة (يمكن الرجوع لمقالي عن المادية والميول الجنسي). بالتالي فإن فكرة عودة الإنسان للطبيعة وذوبانه فيها هي فكرة معادية للإنسانية وأن حضارة ما بعد الحداثة هي حضارة معادية للتاريخ.

تعليقات

المشاركات الشائعة