المادية العدمية والميول الجنسي


شكلت المادية والانتاجية والحركية الأساس المحرك للمجتمع الغربي الحديث، فقد مر المجتمع الغربي بمراحل عديدة حتى الوصول للمجتمع الحديث. في طريق استرداد التاريخ الإنساني للمجتمع الغربي كانت مرحلة العصور القديمة تتميز بالعبادات الوثنية حيث كان المجتمع يحده شكل معين من الثقافة الأدبية التي كانت بمثابة كتابها المقدس، ومن ثم مرحلة العصور الوسطى حيث حل الإنجيل مكان الوثنية وأصبح يشكل رؤية الكون والعقيدة ويحدد ثقافة المجتمع، وصولاً الى نهايات القرن الثامن عشر وانهيار الدولة الدينية في العصور الوسطى وبداية قيام العصر الحديث بثورته الصناعية وفكره المادي الذي شكل أساسها. إن المادية التي أصبحت تحرك المجتمعات الغربية في مقابل التطور الهائل الذي أحدثته نجدها في المقابل قد ضحت بالأخلاق والنفس والفضائل في مقابل الكسب، ونجد أن تطور المجتمع الغربي نحو العلمانية الهائلة قد انعكس على شكل البعد المعرفي الذي شكل العلاقات في هذا المجتمع. هذا التطور استمر حتى القرن العشرين حيث أصبحت المادية مقترنة بالفكر العدمي الذي يصور أن الحياة بجميع تفاصيلها ليس لها معنى وهنا حدث تغيير جديد في البعد المعرفي الغربي الذي انتقل الى شكل حياة متحررة من جميع القيود الحياتية المجتمعية التاريخية والتوجه الأساسي نحو الانتاج فقط والحريات واللذة، اصبحت الحالة البوهيمية التي يعيشها الإنسان الغربي تذكر بالحالة التي عاشها العربي الجاهلي في عصر الجاهلية قبل صدر الإسلام كما ذكر دكتور "عبد الوهاب المسيري" في إحدى محاضراته عن أن توجه الأفراد في العصر الجاهلي نحن الشهوات والملذات والخمر والميسر ناتج من حالة الفراغ الديني والإلهي والضوابط التي سببت لهم الخوف، فكان السبيل الوحيد للهروب من هذا الواقع عن طريق هذه الملذات. كما نجد أن مفهوم الأسرة أصبح ليس لديه مكان هناك فالطفل عند بلوغه الثامنة عشر يجب عليه العيش وحدة واكمال تعليمه، يتعرض الفرد لحالة من الإنعزال امام آلاف الخيارات بدون مرجعية يثق فيها وتساعده على إتخاذ القرار، بالتالي نجد أن هذه المجتمعات تنساق خلف الحملات الإعلامية بصورة كبيرة جداً. من هنا يظهر التناقض في المجتمع الغربي بين الفردية الداعي لها والجماعية التي تحدث، فيحدث أن المجتمع الحديث في واقع الأمر لا يدافع عن الفردانية وإنما يقوم بهدمها وتذويبها وتجريد الأفراد من فرديتهم. وقد وصف "هربت ماركوزه" في هذا الصدد المجتمعات الغربية "بأنها مجتمعات يسود فيها ضرب من غياب الحرية في إطار ديمقراطي سلس معقول". هذا الشكل الجديد من الحياة الذي تشكل في المجتمع الغربي وحالة الفراغ النفسي الكبيرة التي دفعت الأفراد للبحث عن الملذات فقط بعيداً عن معاني الحياة الأساسية أنتجت أفراد يبحثون عن تحقيقها في إيقاع سريع لا يأبه بالواقع، وهنا استند الى نظرية دكتور "عبد الوهاب المسيري" في رسالته للدكتوراة حيث كانت فرضيته أنه "اذا كان التوجه في الحضارة الغربية نحو اللذة فإن الجنس مع الأنثى خطر لأنه سيؤدي الى علاقة مع الآخر، حيث تفرض هذه العلاقة شكل معين من العلاقات الاجتماعية واستقرار والثبات، فإذا كان الأمر نحو اللذة فبالتأكيد النتيجة الحتمية هي الشذوذ الجنسي". في رأيي تحققت فرضية المسيري، فحتى في الأعمال الفنية الغربية شكلت العلاقات الجنسية بين ذكر وذكر او أنثى وأنثى شكل من تحقيق اللذة العابرة بدون قيود أو مسؤوليات وأنها تندرج في إطار الحرية التي يريدها الفرد في إشباع رغباته بأي شكل يراه. لذلك فإن المادية العدمية وتغيير شكل الحياة في المجتمعات الغربية كانت أساس الحالة البوهيمية التي يعيشها المجتمع الغربي الآن والرغبة في تثبيت هذا الشكل من الحياة. تظهر هذه الرغبة في محاولة فرض شكل الحياة هذه على جميع الأماكن ولنا في كأس العالم قطر ٢٠٢٢ أكبر مثال، ويأتي هذا الأمر من منظور أن الحضارة الغربية هي الأفضل بسبب التطور والتقدم الكبير الذي حدث ولكن كما ذكرنا سابقاً أن كل هذا التطور والتقدم جاء بعد خسارة جميع قيم الحياة الأساسية.

تعليقات

المشاركات الشائعة