عبد الحليم حافظ: النغم الحُلو الذي يشدو في أذن الملايين مدى الحياة


لطالما كان يواجهني سؤال: كيف لشاب من هذا الجيل أن يتعلّق بعبد الحليم حافظ لهذه الدرجة!
 منذ بداية الألفية وأصبح العالم في حالة سرعة جنونية وتطور تكنولوجي هائل، تمثل ذلك في نمط حياة "جيل Z" الذي يختلف اختلافاً كلياً من أجيال القرن العشرين. وباعتباري شاب مولود قبل جيل الألفية بعامين فقط ومُتيم بعشق عبد الحليم حافظ كانت النظرات لي دائماً بتعجب! كيف لشاب مثلك أن يكون نمط حياته كحقبة الستينات وما احتوته من نمط حياة. نرى اليوم أن العولمة وتطوراتها كان لها القدر الكبير من التأثير على العالم بالسرعة، السرعة التي وصل أثرها على الموسيقى نفسها، وهنا يأتي على بالي مقال نادر - قيل أنه بقلم عبد الحليم حافظ- تحدث فيه عن التغيير المُرتقب والانقلاب الكبير في روح الأغنية، وقال: " أن مدة الأغنية ستصبح دقائق والمطرب الذي سيغني لمدة نصف ساعة أو ربع ساعة أو حتى عشر دقائق لن يسمعه أحد".
 نرى هذا في عصرنا الحالي حيث طغى اللحن والايقاع السريع على الأغنية وبالتالي أصبحت الموسيقى الرائجة بشكلها الحالي مختلفة تماماً عما كانت عليه سابقاً. كانت ليالي الخميس في منتصف القرن العشرين وما بعده حتى السبعينات هي الملاذ الآمن للحفلات الطربية في مصر خاصة، كانت المقدمة الموسيقية تجعل المستمعين في حالة من اللا وعي وكان منهم من يأتي من طنطا ليسمع "الست" وهي تُطلق آهة لتعبر عن مدى شوقها، وآخرون يسهرون الليل كله لسماع عبد الحليم حافظ يكرر كوبليه "طريقك مسدود مسدود".
لطالما أسرتني حياة القرن الماضي بكل ما فيها من موسيقى وفن وحياة، كان عبد الحليم حافظ هو عمادها الرئيسي فبكل حالتي التي أمر بها أجد عبد الحليم حافظ معبراً عنها. عندما أقوم بفتح قائمة الأغاني الخاصة بحليم -والتي قمت بترتيبها لتتناسب مع حالاتي في كل الأوقات- في حالات الحب أجده يعبر عن شعوري ويصفه بكلمات يتغنى بها: "حاجة غريبة الدنيا لها طعم جديد، حاجة غريبة أنا حاسس إن ده يوم عيد" "كنت فين وأنا فين جتلي منين، والأيام دي كانت غايبة عني فين". أجدني مشتاقاً فأسمعه يُردد" على قد الشوق اللي في عيوني يا جميل سلّم" وحيناً آخر يتحدث إلي وكأنه ينصحني ويخاطبني كولده " وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان". في لحظات الضعف والشتات والتردد يرن في أذني صوته اليائس وهو يقول: "جئت لا اعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت للدنيا طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً ان شئت هذا ام أبيت، كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري". في أوقات النجاح يصدح كل ما حولي "وحياة قلبي وأفراحه وهناه في مساه وصباحه ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه". وحتى عند قرائتي التاريخ العربي ومحاولة جيوشنا التقدم على جبهات الحرب ومن ثم الهزيمة المريرة التي لحقت بنا يتنامى الى أذني صوته الملكوم الحزين وهو يغني "للنكسة". وما بين "موعود" و"على حسب وداد قلبي" و"كامل الأوصاف" و"جبار" وما تبقى من عظمة ما تغنّى به ينقلني عبد الحليم حافظ بين جميع المشاعر الإنسانية التي أمر بها.
 ربما شاب مثلي يعيش في نوستالجيا لكن لشىء لم يعيشه على ارض الواقع كان لا بد له أن يُلهم من قبل شخصية ولم يكن هنالك أفضل من عبد الحليم حافظ؛ فكل من عاصر حليم كان يراه الشاب اليتيم والحبيب الوفي المُتيّم والفنان العظيم والممثل الناجح، حتى في الوسط الفنّي فقد تبناه "محمد عبد الوهاب" واصبح مثل ابنه الروحي. كما لا يغيب عن بالي عند إعلان نبأ وفاة عبد الحليم حافظ الجموع الغفيرة التي لا تعد ولا تحصى التي جاءت من كل مكان لتشييعه، واذكر جيداً ما قرأته عن عبد الوهاب عندما سمع نبأ وفاته وتوجه مباشرة لمنزله في الزمالك والتقى أهله واستأذنهم أن يدخل غرفة حليم وجلس فيها قُرابة الساعة وخرج منها وهو يبكي. كما يستحضرني الرثاء الذي كتبه بليغ حمدي فور سماعة بنبأ الوفاة حيث كتب: "بنلف نلف نلف نلف ‏و السنين بتلف تلف تلف ‏و الم بيزيد و جراح بتخف ‏حبيبي ‏بنودع ربيع و نستقبل ربيع يخضر الشجر ‏تتنسي الدموع يحلو السفر" ‎.
لم يكُن عبد الحليم حافظ مجرد مطرب صعد المسرح ليغني ونزل منه، كان ظاهرة في حد ذاته، فحتى يومنا هذا في ذكرى ميلاده ووفاته ما زالت الرسائل تُترك على باب منزله وتتباين ما بين الدعاء له والرثاء والشوق والتعبير عن الحب والعشق. أجيال وسنين وما زال عبد الحليم حافظ مؤثراً بصوته وفنه، لم يُخطىء محمد عبد الوهاب عندما قال: " ستظل يا حليم النغم الحُلو الذي يشدو في أذن الملايين مدى الحياة".

تعليقات

المشاركات الشائعة