المثقف العضوي وحكم الإنقاذ

تصور أنطونيو غرامشي للدولة أنها أجهزة أمنية متمثلة في الجيش والشرطة والميليشيات في بعض الحالات، وأجهزة تصوغ التشريعات وتطبقها كالبرلمان والحكومة، وأن هذه الأجهزة هي التي تضمن سيطرة طبقة معينة على السلطة في الدولة.

تحدث غرامشي عن وجوب ضمان الطبقة التي سيطرت على ولاء طبقات أخرى وقدرتها على قمع الطبقات الرافضة بقوة السلاح اذا استلزم الأمر وأنها ستحكم.

توقفت عندما ذكر أنه مهما استطاعت هذه الطبقة أن تسيطر فهذا لا يكفي، لا بد لها من إحداث هيمنة فكرية وثقافية في المجتمع لكي تستطيع المواصلة في الحمم بعد فترة السيطرة على السلطة.

حسب رؤية غرامشي فإن المثقف هو الشخصية التي ستؤمن للطبقة المعينة الاستمرار في الحكم، وقسم المثقفين الى "مثقف عضوي" و "مثقف تقليدي".

فالمثقف العضوي عن غرامشي مهمته عكس ايداوجية الحزب المعني والدفاع عنها وتفسيرها وخلق قبول لها عند الطبقات الأخرى لتأييد الطبقة السياسية الجديدة، أي ببساطة المثقف العضوي هو المرتبط بظهور جماعة معينة، وهو شخص مؤمن بالمشروع أو الأيديولوجية ويُعتبر جزء منها ومن كيانها، أما المثقف التقليدي فهو مثقف الطبقات السابقة التي كانت موجودة في البلاد وانهارت، المثقف الذي يعبر عن نفسه بأنه مستقل حالياً من الطبقة الحاكمة.

اذا استرجعنا عام ١٩٨٩ مع انقلاب الإنقاذ وإحكام السيطرة السياسية بالقوة العسكرية، نرى أنه بدأت بعد فترة جماعة الأخوان المسلمين بالظهور في المشهد السياسي وبدأت الحركة بإحداث تغيير اجتماعي وفكري وثقافي كبير في المجتمع.

نلاحظ أن حكم الانقاذ كان مختلفاً، فقد قام بإحداث تغييرات جذرية في المجتمع وهذه هي الهيمنة الفكرية والثقافية التي تحدث عنها غرامشي.

لم يتمكن الإخوان من إحداث هذا التغيير بمحض الصدفة بل لأن كوادرهم كانت جزء أصيل من الحركة ومؤمنة تماماً بالفكرة وكانت جزء من هذا الكيان وبالتالي ساعدت على إرساء الايديولوجية الاسلامية وإظهارها للخارج، ومع مرور استطاعت استمالة معظم الطبقات لها.

هؤلاء هم المثقفين العضويين الذين بفضلهم تمكن حكم الانقاذ من الاستمرار في البلاد لثلاثين عاماً عن طريق الهيمنة الفكرية والثقافية.

تعليقات

المشاركات الشائعة