السيد المسيح



كتابة: عبد الله علي مختار

—————————

مع كل نهاية عام وحلول يوم الخامس وعشرين من ديسمبر تتبادى غيوم الإختلاف بين أروقة مجتمعاتنا حول تهنئة المسيحيين بأعيادهم هل هي حلال أم حرام ؟ جدلية تشبه جدلية هل الإنسان مسير ام مخير ؟ وجدلية هل الأرض مسطحة ام كروية؟ وجدلية من جاء أولا الجدادة ام البيضة ؟ 

ولكن على كل حال الإختلاف سجية البشر منذ نزولهم الأرض وتتدرج تكوينهم من أفراد ثم أسرة وعشرة وقبيلة وصولا لعصر الحداثة وما بعدها.. 

لكن شخصي الضعيف لم يفتها يوما الإعجاب بشخص السيد المسيح عليه السلام، كنت وما زلت اتردد مرار على النص الأدبي العظيم الذي كتبه " بدر شاكر السياب " في قصيدته - المسيح بعد الصلب ، فهذا الرجل في قصيدته هذه وصل مرحلة اللاعودة إلى ذاته الأولى لأنه استلهم شخصية السيد المسيح في نفسه وتماهى معها ؛ وأصبح يتمثلها في كل تفاصيله .. وقد تماهي السياب مع رمزه العالي السيد المسيح حتى كان من قدره ان يتوحد معه ليلة ميلاده ،  ليوثق عمره القصير بعمر السيد المسيح القصير ، وليوحد أيضا بين هموم المسيح وتفكيره بالإنسان  وهمومه وتفكيره بالإنسان.. 

جاءت شخصية السيد المسيح لتحير العالم بأكلمه ، كيف لا وقد كان مولده فريدا وعلمه فريدا، وحكمته فريدة ؛ حتى مماته كان فريدا سواء في رواية المسلمين او الكتب الأربعة للقداس .. 

كانت رسالة السيد المسيح في المقام الأول رسالة بعث للأخلاق التي كادت تندثر بسبب أفعال الرومان وقسوتهم ، فجاء المسيح طبيبا للفقراء والمشردين حتى جعلهم ملح الأرض ونور العالم ومهد السلام .. وخير وصف لشخصه رواية عن إمام المتقين علي بن ابي طالب حيث وصفه: لم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، دابته كانت قدمه ، وخادمه كانت يده ، ابن الطاهرة البتول ...

وقد آثرت نفسي ان أسبر غور مواقف السيد المسيح في السياسة والمجتمع فخلصت إلى إن النبي لا يستطيع أن ينغلق على الأمور الأخلاقية أو الدينية فقط، ولا يمكنه الصمت أمام الأوضاع السياسية الخاطئة، ولهذا تحتل السياسة مكانة مهمة في رسالة النبي، لدرجة أنه يبدو أن رسالة النبي تقتضي بشكل أو بأخر أن يكون مسؤولاً عن إعلان رأيه بصراحة وشجاعة في الأمور السياسية. وقد مارس كلّ نبي هذه المهمة بطريقته الخاصة، وحتى إذا كان يصعب علينا أن نفهم معنى تدخلاتهم، إلاَّ أنهم يسهل فهم وإدراك دوافعهم: فالأنبياء يعرفون مدى وطأة الأمور السياسية على إيمان الشعب، ومدى وجوب تأثر الأمور السياسية بإيمان الشعب. فموقف الأنبياء من السياسة هو تأكيد على التواصل الموجود بين الإيمان وكل أبعاد حياة الإنسان الاجتماعية والسياسية… 


واجه السيد المسيح بشدة رغبة الشعب اقحامه سياسيا ، ورفض هذا التصور الخاطئ للمخلص المنتظر، فالشعب الَّذي كان يحلم بمخلص سياسي يخلصه من وطأة الاستعمار الروماني حاول بمختلف الطرق دفع المسيح  إلى دائرة السياسة. ولهذا فقد كانت هذه الرغبة من قبل الشعب من أكثر الأمور الَّتي قاومها المسيح . وعندما أراد الفريسيون أن يصطادوه بكلمة.وسألوه: ماذا تظن أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا. فعلم يسوع خبثهم و قال لماذا تجربونني يا مراؤون. اروني معاملة الجزية فقدموا له دينارا. فقال لهم لمن هذه الصورة و الكتابة. قالوا له لقيصر فقال لهم أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله” . وبهذه العبارة الموجزة يوضح أنه يجب التمييز بين ما هو سياسي وما هو ديني، فأخطر تجارب الدين هي اعتبار الدين سياسة والسياسة دين “دين ودولة”، فصحيح أنه لا يمكن الفصل الكامل بينهما إلاَّ أنه يلزم التمييز الدائم بينهما. فيسوع نفسه أنتقد هيرودس ووصفه بالثعلب “في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له اخرج و اذهب من ههنا لان هيرودس يريد أن يقتلك. فقال لهم امضوا و قولوا لهذا الثعلب ها أنا اخرج شياطين و اشفي اليوم و غدا و في اليوم الثالث اكمل. بل ينبغي أن أسير اليوم و غدا و ما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا عن أورشليم”  وذلك لأن النبي كما سبق واشرنا لا يستطيع أن يتخذ موقف اللامبالي أمام الأحداث…

والسلام ...

تعليقات

المشاركات الشائعة