فوكوياما ونهاية التاريخ
ولد يوشيرو فرانسيس فوكوياما في حي هايد بارك بمدينة شيكاغو في 27 أكتوبر 1952 لكل من يوشيو فوكوياما وتوشيكو كواتا. هرب جد فوكوياما من الحرب الروسية اليابانية عام 1905 وافتتح متجراً في لوس أنجلوس كاليفورنيا قبل الاعتقال الادراي للأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية. والده كان أوفر حظاً من جده وتفادى الاعتقال لأنه حصل على بعثة دراسية في جامعة نبراسكا. هذه التجربة التي مرت بها عائلة فوكوياما جعلته ناقداً لما يسمى بالإسلاموفوبيا.
تقوم منهجيته في الأساس على الوضعية والمنهج العلمي الحديث وأدواته، حيث قال بأن تطبيقات المنهج العلمي الحديث كان لها الدور الاكبر في تطور المجتمعات والتاريخ فقد ساعدت في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
تطور الرأسمالية كنظام اقتصادي وسياسي من تطور العلم، حيث أن تطور العلم سيؤدي الى زيادة الابتكارات التكنولوجية مما سيفرض على مجتمعات ما بعد الصناعة شكل معين من النشاطات وكفاءة الإدارات ونمو أسواق المال والبنوك وجميعها تصب في صالح الاقتصاد الرأسمالي. وإن زيادة التصنيع نتيجة لتطور العلم ستُنشئ مجتمعات تطالب بالمساواة السياسية والمساهمة على أساس متكافىء واذا حرمت من ذلك ستلجأ الى معارضة أنظمتها السياسية وبالتالي فإن الديمقراطية الليبرالية هي الأقدر الى إحداث التنمية والمساواة السياسية وإدارة المجتمعات ما بعد الصناعية.
اكبر إسهام نظري لفرانسيس فوكوياما هو تنظيره المتعلق بنهاية التاريخ وأن الديمقراطية الليبرالية تشكل نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان.
ففي أعقاب نهاية الحرب الباردة عام 1989 كتب فوكوياما مقالة بعنوان "نهاية التاريخ" حجتها الأساسية أن الديمقراطية الليبرالية بجميع قيمها المتعلقة بالحرية، الفردية، المساواة والسيادة الشعبية هي الملاذ الآخير للدول.
وفي عام 1992 نشر كتابه بعنوان "نهاية التاريخ والانسان الآخير" ، ويتحدث فوكوياما عن الأنظمة الأوتوقراطية والشمولية والايديولوجيات التي مرت وكيف فشلت جميعها في الاستمرار او مواجهة الليبرالية، وانه في نهاية المطاف استطاعت الليبرالية ان تنتصر وتحقق اهدافها مقابل سقوط الايديولوجيات الأخرى. ويكرر أن نهاية التاريخ لا تعني توقف العالم والحياة وانما نهاية التاريخ الايديولوجي وانتصار الليبرالية بشكل كامل على صعيد الأفكار والمبادئ، وان انسب نظام للحكومات هو "الديمقراطية الليبرالية"، وانها اثبتت نجاحها وثبتت في الدول الغربية المتقدمة. وقد اتبع في فلسفته جزء من الفلسفة الهيجلية الجدلية باعتبارها قوة دافعة لتاريخ البشرية، وان تاريخ البشرية هو ارتقاء متواصل للفكر البشري. فحسب الديالكتيك الهيجلي فإن التاريخ قائم على التناقضات فكلما يظهر شكل سياسي او اجتماعي وتظهر فيه تناقضات واختلافات فإنه يتزعزع وينهار ليفضي المجال لشكل آخر انجح منه، بناء على هذا ومع سقوط الايديولوجيات الأخرى يرى فوكوياما ان الديمقراطية الليبرالية خالية من التناقضات وان ما تعاني منه هي مشكلات فقط بالتالي فلن يكون هناك تناقض يُفضي لاستبدال هذا النظام بنظام آخر أفضل منه وبالتالي ستعني هذه نهاية التاريخ الايديولوجي.
عند قرائتنا لتنظير فوكوياما نجد أن كل تفكيره كان مُنصب على شكل التحالفات في العالم وعلى شكل الايديولوجيات المتنافسة، وما التي ستتمكن من فرض نفسها وأدواتها. ومن هنا يمكن ان نرى تكيف تنظيره مع وظائف النظرية السياسية.
في وظيفة الاستيعاب الكلي والتأويل، نجد ان فوكوياما قد آثار بالفعل اشكالية راهنة في ذلك الوقت حيث كان العالم قد خرج لتوه من حرب باردة بين ايديولوجيات متصارعة متمثلة في الرأسمالية الغربية والاشتراكية الشرقية، ولكن فوكوياما قد اتخذ مباشرة قراراً حاسماً بطريقة وضعية خالصة في ان الديمقراطية الليبرالية تمثل نهاية التاريخ الايديولوجي مما جعله يُقفل الباب من جانب تنظيره عن سؤال "ماذا بعد" وعدم ترك مجال لامكانية تغيير الأوضاع مستقبلاُ.
اما في الوظيفة التعليمية، فإن ما ناقشه فوكوياما يُشكل تنظير مهم فحتى يومنا هذا ما زال النقاش دائر حول نظريته في جوانب نقدية او اسهامات اضافية وكيف ساهمت في استمرار الديمقراطية الليبرالية كايديولوجية وحيدة متصدرة الآن، وما زال النقاش دائر حول ماهية الايديولوجيات وكيف هو الشكل الأمثل لعالم سليم ومعافى ومتطور وما هي الايديولوجية الأنسب لتكون الأساس الذي يمشي عليه العالم، بالتالي ففي هذا الجانب قد اتسم تنظيره بالديمومة.
اما في الوظيفة النقدية، فقد قدم فوكوياما تنظيراً كاملاً حول المشكلة الكبرى التي تواجه العالم في تلك الفترة وقدم نقد لجميع الايديولوجيات الأخرى واسباب فشلها وان الواقع يشهد بأن الديمقراطية الليبرالية هي الوحيدة القادرة على الصمود في وجه جميع التحديات وهي الخيار الأنسب لكي تكون الخيار النهائي للايديولوجيات في العالم.
اما في الوظيفة الأخلاقية، فقد رأى فوكوياما ان الهدف الاساسي للبشر هو تقليل الحروب والنزاعات وتحقيق السلام في العالم ومن وجهة نظره رأى ان الديمقراطية الليبرالية هي التي ستحقق هذه الآمال، الا انه كما ذكرنا سابقاً قد أقفل الباب امام التغييرات التي يمكن ان تحدث في العالم ولا تتسق مع تنظيره وهذا ما ظهر في السنوات اللاحقة حيث لم تحقق الديمقراطية الليبرالية السلام العالمي، ويُحسب له من الجانب الأخلاقي انه لم يكتفي فقط باعتبار تنظيره انتاج للمعرفة وانما تحمل تبعاته عندما تراجع لاحقاً عن مفهومه بأن التاريخ انتهى مع الديمقراطية الليبرالية وانها الخيار الأنسب لحل جميع المشاكل.



تعليقات
إرسال تعليق