جمال عبد الناصر: الرجل الذي عاش من أجل الجميع ومات ليتذكره الجميع



 بداية فإن هذه المقالة مختلفة عن طريقة الكتابة المُعتادة في هذه المدونة، اليوم أكتب بصورة غير علمية وغير موضوعية عن شخص أرغب في كتابة هذه الكلمات عنه لعلّي أُرضي ال"هوداخلي وعلاقتها به.

المشهد أمام ناظريك، أربعينيات القرن الماضي ضابط في الجيش المصري في مقتبل عمره يحمل سلاحاً صدئ ومهترئ وهو جالس في خندق لا يتجاوز عرضه المترين وعلى بعد مسافة ليست بالبعيدة من العدو،  ضُرب عليهم حصار لشهور عديدة وخلالها يومياً يرى أصداقائه ورفقاء دربه يموتون الواحد تلو الآخر، شغّل شريط المشهد في مخيلتك وواصل حتى نهاية المشهد بهزيمة مذلة وجرجرة ذيول الخيبة بعد خسائر فادحة.

المشهد السابق كان نتيجة عقود طويلة من حكم ملكي اقطاعي مستبد خاضع وخانع لدولة خارجية، عقود من البذخ والمجون لطبقة بعينها دون بقية الشعب، اقتصاد في انهيار دائم ووضع أمني وعسكري في الحضيض، نهاية بخسارة مريرة من العدو الأزلي، عندما تكون منذ نعومة أظافرك تكن القدر الكبير لوطنك وتشارك في مسيرات من أجله، وعندما تكبر وتنضم للجيش الوطني لإيمانك أن هذا الوطن يستحق منك تقديم كل شيء ولكن تكتشف أن الوطن بيع بثمن بخس ستكون ردة فعلك واحدة ورغبتك واحدةالتغيير.

جاء عام ١٩٥٢ وباركته ثورة يوليو المجيدة - وهذه مساحة نقاش كبيرة يعلمها صديقي عبد الله مختار جيداً ولكن لا هو وقتها ولا مقامهاالتي أطاحت بالحكم الملكي في مصر، صعد الضباط الأحرار الى سدة الحكم ومن بينهم كان جمال عبد الناصر العقل المدبرالحقيقي للحركة.
سنقوم بسحب زمني سريع فلا أريد التطرق هنا لشكل فترة حكم نجيب وطريقة عزله، ما يهمنا هو صعود ذلك الشاب في المشهد السابقالى حكم مصر اهم قُطر عربي في ذلك الوقت، كان ناصر في بداياته غير مفهوم التوجه فتارة كان مع المعسكر الغربي الامريكي والسعودي، وتارة الى المعسكر السوفيتي حسب ما اقتضت المصلحة والحاجة، لكن توجهه الحقيقي بدأت تظهر ملامحه بعد عام ٥٦ وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، حينها أعلن ناصر صراحة صعود قوة عربية وطنية جديدة في وجه المستعمر، وظهور تيار فكري جديد لمجابهة الظلم في العالم وليس فقط الوطن العربي والافريقي، التيار القومي العربي.
خلال حياته لم يكن ناصر الشخصية التي تهاب الحديث او التعليق بل كان رجلاً بليغاً فصيح اللسان كاريزيماً بصورة لا تستطيع مقاومتها، خطاباته كأنك تستمع إلي عبد الحليم وأم كلثوم وهم يغنون وهنا أشبهه بهم لدرجة تركيز وتعلق الناس بهم أثناء العروض، فكما العرض الغنائي لحليم والست كان ناصر يقدم فناً من نوع آخر، كان يقدم عرضاً خطابياً بامتياز.
ارتبط اسم جمال عبد الناصر بالفلاحين والمزارعين والعمال فقد كان أول رئيس ينهي الإقطاعية ويعطي العمال حق تملك الأراضي، العامل والفلاح الذي كان مقهوراً طوال حياته أصبح صاحب أرض وحق، وحقق قدراً من العدالة الاجتماعية لا يمكن التقليل من أثرها أبداً، حتى يومنا هذا في عيد العمال من كل عام تقترن احتفالاته بعبد الناصر ويهتف العمال في جميع الخطابات كل عام: "ناصر العمال، ناصر الفلاحين".
كان عبد الناصر يمثل طوق النجاة والأمل لجميع المصريين، ولكن تعدى الأمر مجرد بقعة جغرافية معينة بس اصبح ناصر طوق النجاة لجميع العرب وكل الشعوب التي تحلم بالتحرر من الإستعمار، في الوقت الذي وقف الجميع خوفاً من الدولة الصهيونية ومن دول الاستعمار وقف ناصر وحيداً شامخاً في مواجهتهم لوحده، وقف وحيداً داعماً لجميع حركات التحرر الوطني العربية والأفريقية، تعدى تأثيره الحدود بل أصبح عابراً للقارات.
كان عبد الناصر من النوع الذي ينفذ ما يؤمن به، لم يتواني يوماً في دعم قضيته الفكرية أو النداء بها ولم يتقهقر يوماً في سبيل الضغوطات بل وقف نداً لند في مواجهة غير متكافئة ولكن الإيمان يهزم اي قوة في العالم، بعد أن سطعت القومية العربية في بدايات القرن العشرين بدأ نجمها في الأفول سريعاً ولكن جاء عبد الناصر كالضوء الذي ينير طريق مظلم في وسط غابة، جاء ليعيد الأمل لكل حالم بوطن قومي وأمة واحدة.
أتعجب في من يحكم على تجربة عبد الناصر الكاملة بكلمة "النكسة"، الأمر أكبر بكثير ولكن هنا أيضاً أنأى عن الحديث في تفاصيل هذاالموضوع، ولكن كل ما أريد قوله أن جمال آمن بفكرة وحارب لأجلها كما فعلت دويلات اوربا نفسها قبل القرن التاسع عشر عندما آمنت بالقومية، لم يبع نفسه لدولة ومخابراتها ولم يبع شعبه ووطنه في سبيل مصالح شخصيه، عاش ومات محارباً ومؤمناً بفكرة وما أعظم الرجلالذي يعيش ويموت على مبادئهوواهمٌ من يظن أن عبور القوات المصرية في حرب ٧٣ جاء من وحي الخيال او الصدفة، كان عمل عسكري خاص وتدريب وخطط بدأهم عبد الناصر بعد هزيمة ٦٧ مباشرة وأخذه الموت قبل أن يرى نتيجة عمله ولربما اذا عاش كان سيجعل الناس يبحثون عن عذر آخر لانتقاده غير النكسة ولكنها مشيئة الله.

"سنبقى إلى أبد الآبدين نحارب الانحراف
و نفخر إننا حاربنا الدولة الإقطاعية وقضينا عليها
وحاربنا الملكية الفاسدة وقضينا عليها
وحاربنا من أجل العدالة الاجتماعية وحصلنا عليها. "

‏*من خطاب جمال عبد الناصر‬⁩ بمناسبة عيد العمال عام 1966

 مات عبد الناصر ولم يجرؤ أحد من بعده أن يقف ولو لعاماً واحداً بل حاولوا طمس ما قام به ولكن مات جميع أعدائه وعبد الناصر مازال حياً حتى اليوم، جمال عبد الناصر الرجل الذي عاش من أجل الجميع ومات ليتذكره الجميع.

تعليقات

المشاركات الشائعة