التماهي من منظور محلّي


  شكّل التماهي ميدان نقاش كبير لم يقتصر على محيطنا العربي والاقليمي أو حتى الجندري، في حقيقة الأمر لم يبدأ الحديث الآن او قبلوقت قريب، بل كان منذ القدم والعصور الوسطى عند محاولة الشعراء التماهي مع ثقافات مختلفة في أشعارهم وصولاً الى الذين ينتقدون ما يسمونهم "الشعراء المعرّبين".

أكبر مشكلة واجهت مجتماعتنا الاقليمية كانت قضية التغيير، فالبعض يراها حركة تغير طبيعية في مسار التاريخ  والبعض الآخريراها خروج عن قيم المجتمع، فالمجموعة التي ترى نفسها "فرعونيةتتهم باقي الفئات في مصر انها تتماهى مع الثقافة العربية التي لم تكن موجودة سابقاً، وكذلك "الأمازيغو"البربرفي الصحراء الغربية يتهمون بقية الفئات في الجزائر والمغرب بالتماهي مع الثقافة العربية بل نجد هنا اتهامات مركبة كذلك للفئات التي تم استلابها ثقافياً من فرنسا حتى يومنا هذا.

في السودان الوضع مختلف كدولة هي في نفسها بحر شاسع من الثقافات والعادات واللغات، ولكن كجميع المنطقة مثلت الثقافة العربية الهيمنة مع أهم سلاح للثقافات في التاريخ وهو "اللغة"، ونجد نفس التجاذبات بين فئات المجتمع في كل منطقة.

مع رحلة النزوح الكبيرة الحالية لسكان العاصمة الخرطوم - بسبب الحرب - الى الولايات، شكل الحياة اختلف كثيراً لهؤلاء الأفراد فيطريقة العيش واللبس والأكل وحتى الحديث، وتجدهم بإرادتهم أو غير إرادتهم مجبرين على التعامل مع مجتمع بصورة مختلفة عن تعاملهم الطبيعي، وهنا أريد طرح تساؤلاتهل الاستلاب الثقافي وطريقة عيش الحياة الغربية تتطلّب من الشخص الذهاب للعيش في نيويورك او لندن او امستردام؟ وهل ثقافة المجتمعات المحلية في السودان تعتبر ثقافة غريبة لسكان العاصمة الخرطوم؟ والأهم هل يتبع شخص نمط حياة وثقافة مختلفة عن مجتمعه لرغبته في أن يكون جزء من ذلك المجتمع أم لأنه أحس "بالاغترابفي مجتمعه؟


هنا أستطيع تفسير وجهة نظري فيما يخص التماهي المحلي في السودان، فالمجتمع المحلي هنا يحكم عليك منذ أن تطأ قدماك حدود الولاية ويحاسبك عند المرور بالشوارع الداخلية، فلا يمكن أن يقبل المجتمع المحلي "عادات الخرطومباعتبارها أشياء غريبة علىمجتمعهم والتي قد تتمثل في لبس او تسريحة شعر او طريقة كلام ولغة وهذه أهم نقطةاذا تجولت في شوارع الولاية المعينة مثلاً ب"شورتتتلصصك الأعين في كل وقت وحين وهذا أدنى حد فقد تسمع بأذنك تعليقات، ولمجرد لبسك ملابس مختلفة عنهم تتم النظرةاليك كغريب ويصبح مصطلح "ود الخرطومأشبه بمصطلح ساخر.

أما اللغة باعتبارها أساس الهيمنة الثقافية وأساس حركة التاريخ ككل ولتعدد لغات وحتى لهجات وطريقة الحديث فقط تشكل فوارق كبيرة، وهنا استحضر نظرية تشوميسكي فيما يخص اللغة " حيث افترض انه اذا جئت بمدينتين -وكمثال الخرطوم وعطبرةوتركتهم بدون لغة مركزية وجرائد وهواتف وتلفزيون واي حاجة بعد مدة كل مدينة من المدينتين ستقوم بتطوير لغة خاصة بها منفصلة عن الأخرى وسيحتاجون لقرون لفهم بعض"

في السودان كثير من القبائل طورت لغات خاصة بها، والمدن الكبيرة التي نشأت على اللغة العربية كمركزية طورت أيضاً لهجات كجزء من ثقافة كل منطقة، ويظهر الإختلاف عندما يأتي مواطن الخرطوم الذي مثله مثل البقية طور لهجة خاصة به بسبب ثقافة العاصمة الواسعة بصورة أكبر من بقية الولايات ويلتقي بمواطن الولاية المعينة.

لا أريد أن أصل بكلامي الى انتقاد لغة قبيلة بعينها أو لهجة مجتمعات بعينها ولكن أليس الاستلاب الثقافي الغربي الذي يتم محاربته باعتباره يخترق المجتمع ويغير من بيئة معينة هو نفسه محاولة مجتمعات الولايات فرض نمط حياة بعينه على أفراد عاشوا نمط حياة مختلف، نجد أننا انتقلنا من استلاب غربي الى استلاب محلي.

ويبقى السؤال لماذا يظن البعض أن التخلي عن نمط حياتهم والتماهي مع مجتمع بعينه هو فرض أصيل نسبة لأصول مجتمعية،وينتقد شخص عاش حياته في مجتمع غربي على أنه مُستلب ثقافياً؟ أو ينتقد مواطن الخرطوم بأنه يجب أن يعيش نمط حياة مختلف فقط لوجوده في مجتمع آخر؟ 

نصل الى نتيجة أن التماهي مع مجتمعات غربية هو نفسه تماهي مواطن الخرطوم مع المجتمعات المحلية لوجوده في وسطهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة